الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
343
نفحات القرآن
كما يقول الفخر الرازي : « والبعض الآخر ذكر في حصر الهداية بالمتقين لأنّ اللَّه تعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنّهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال : « إِنَّمَا انْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا » . ( النازعات / 45 ) وقال : « إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ » . ( يس / 11 ) وقد كان عليه السلام منذراً لكل الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أنّ هؤلاء هم الذين انتفعوا بانذاره » « 1 » . وقد استنتج الفخر الرازي في بعض عباراته : « ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلّاما في قوله تعالى ( هدى للمتقين ) كفاه لأنه تعالى بيّن أنّ القرآن هدى للناس في قوله تعالى : « شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لّلنَّاسِ . . . » . ( البقرة / 185 ) ثم قال : إنّه هدى للمتقين فهذا يدل على أنّ المتقين هم كل الناس فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بانسان » « 2 » . وبالرغم من عدم تعارض التفاسير الماضية ، إلّاأنّ التفسير الأول يبدو أوضح ، ومن هنا يعرف عدم صحة الرأي القائل ( بحمل « المتقين » في الآية على المجاز ، والقول بأنّ المراد منهم سالكو طريق التقوى ، وذلك للحيلولة دون الوقوع في إشكال ( تحصيل حاصل ) ، وذلك لأنّ للتقوى - وكما قلنا - مراحل ودرجات ، فمرحلة منها تؤهل لهداية القرآن ، والمراحل الرفيعة الأخرى تكون وليدة هداية القرآن . ويُطرح هنا سؤال وهو : إنّ الآيات التي جاءت بعد « هدىً للمتقين » عرفت المتقين بالذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وعلى هذا ، أفلا تكون هداية القرآن تحصيلًا للحاصل يا ترى ؟ ! إنّ الإجابة على هذا السؤال تتضح بالالتفات إلى نقطة في هذا المجال وهي : إنّ الوصول إلى هذه المراحل المذكورة في السؤال ليست نهاية الطريق ، بل هناك مراحل كثيرة أخرى ينبغي طيها لبلوغ المرحلة التكاملية اللائقة بالإنسان ، وهذه المرحلة عند
--> ( 1 ) . التفسير الكبير ، ج 2 ، ص 21 . ( 2 ) . المصدر السابق .